أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

227

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

المسألتين : أن أكثر ما يقع موقع « كم » وخبر ما هو مبتدأ ، فلذلك حكم عليهما بحكم الغالب بخلاف ما نحن فيه . الثالث : أن « عجب » مبتدأ بمعنى « معجب » . و « قَوْلُهُمْ » فاعل به ، قاله أبو البقاء . وردّ عليه الشيخ « 1 » بأنهم نصوا على أن فعلا وفعلة ينوب عن « مفعول » في المعنى ، ولا يعمل عمله ، فلا تقول : مررت برجل ذبح كبشه ، ولا غرف ماءه ولا قبض ماله » . قلت : وأيضا فإن الصفات لا تعمل إلا إذا اعتمدت على أشياء مخصوصة ، وليس منها هنا شيء . قوله : أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يجوز في الجملة الاستفهامية وجهان : أحدهما - وهو الظاهر - أنها منصوبة المحل لحكايتها بالقول . والثاني : أنها وما في حيزها في محل رفع بدلا من « قَوْلُهُمْ » ، وبه بدأ الزمخشري ، ويكون بدل كل من كل ، لأن هذا هو نفس قولهم . و « إِذا » هنا ظرف محض ، وليس فيها معنى الشرط ، والعامل فيها مقدر يفسره « لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ » تقديره : أئذا كنا ترابا نبعث أو نحشر ، ولا يعمل فيها « خَلْقٍ جَدِيدٍ » ، لأنّ ما بعد « إِذا » لا يعمل فيما قبلها ، ولا يعمل فيها أيضا « كُنَّا » لإضافتها إليها . واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافا منتشرا ، وهو في أحد عشر موضعا في القرآن ، فلا بدّ من تعينها وبيان مراتب القراء فيها ، فإنّ في ضبطها عسرا يسهل بعون اللّه - تعالى - وأما المواضع المذكورة ، فأولها : ما في هذه السورة ، الثاني والثالث : كلاهما في الإسراء ، وهما : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً » « 2 » موضعان . الرابع : في المؤمنون : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ » « 3 » . وفي النمل : أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ » « 4 » وفي العنكبوت : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ » « 5 » . وفي « ألم » السجدة أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ « 6 » . وفي الصافات موضعان ، وفي الواقعة موضع : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ « 7 » وفي النازعات : أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً » « 8 » . فهذه هي المواضع المختلف فيها ، وأما ضبط الخلاف فيها بالنسبة إلى القراء ، ففيه طريقان : أحدهما : بالنسبة إلى ذكر القراء . والثاني : بالنسبة إلى ذكر السور ، وهذا الثاني أقرب ، فلذلك بدأت به ، فأقول : هذه المواضع تنقسم إلى قسمين : قسم منها سبعة مواضع لها حكم واحد ، وقسم منها أربعة مواضع لكل منها حكم على حدته ، أما القسم الأول : فمنه في هذه السورة ، والثاني والثالث : في « سبحان » ، والرابع : في « المؤمنين » . والخامس : في « ألم » السجدة ، والسادس والسابع : في « الصافات » ، وقد عرفت أعيانها مما تقدم ، أما حكمها : فإنّ نافعا والكسائي يستفهمان في الأول ، ويخبران في الثاني ، وأن ابن عامر يخبر في الأول ، ويستفهم في الثاني ، والباقين يستفهمون

--> ( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) الآيتان ، ( 49 - 98 ) . ( 3 ) آية ، ( 82 ) . ( 4 ) آية ، رقم ( 67 ) . ( 5 ) الآيتان ، ( 28 - 29 ) . ( 6 ) آية ، ( 10 ) . ( 7 ) آية ، ( 47 ) . ( 8 ) الآيتان ، ( 10 ، 11 ) .